محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
819
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وسرّ آخر : ذكر اللّه ذكر لا إله إلّا اللّه ، وذكر الآباء ذكر محمّد رسول اللّه ، وليس يتمّ أحد الذكرين إلّا بالتالي ، وذكر التوحيد أسبق وأشدّ من ذكر النبوّة ؛ لأنّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، وأنّ اللّه يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت ، وأنّ محمّدا يحيا ويموت وليس بحيّ لا يموت ؛ ومن وجه آخر كلّ من قال : لا إله إلّا اللّه لم يقض بإسلامه ما لم يقل : محمّد رسول اللّه ؛ ومن قال : محمّد رسول اللّه قضي بإسلامه وإن لم يقل لا إله إلّا اللّه ، وهذا ( 338 آ ) حكم المستأنف وذلك حكم المفروغ ؛ فليراع الحكمين في الكلمتين وليقدّر [ الحكمين ] على الكونين . وسرّ آخر : ذكر الآباء دون الأمّهات إمّا لأنّ أحد الاسمين يدلّ على الثاني لوجوب الازدواج ، وإمّا لأنّ الآباء إلى ذكر الأبناء أقرب وأسماؤهم على لسانهم أجرى وتفاخرهم بالآباء أشدّ وأنسابهم بهم أولى ؛ وذكر اللّه تعالى يجب أن يكون أعلى من ذكر المزدوجين ؛ فإنّ الازدواج من لوازم صفات الخلق ، قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ فهو تعالى عن الترتّب والازدواج ، وذكره يجب أن يكون أشدّ من ذكر الآباء المرتّبين تحت الازدواج ؛ فشدّة الذكر أن يكون بالتوحيد الخالص أحقّ وأخلص ، وعن الريب أبعد وأصفى ، ومن قال من الفلاسفة : إنّ الوجود قضية شاملة لجميع الموجودات وهو واجب الوجود ، أي الوجود به أولى ؛ فقد رتّب وجوده تحت الترتّب ، وأمّا ذكره كذكر الآباء بل أشدّ ذكرا ، وأهل الحقّ إذا قالوا هو تعالى خالق المترتّبات فذكروه أشدّ ذكرا ووحّدوه أحقّ التوحيد حقّا . وسرّ آخر : من ذكر اللّه كذكر الآباء ، سأله سؤال الأبناء عن الآباء ، وذلك متاع الدنيا وهو قليل وما له في الآخرة من خلاق ، ومن ذكره أشدّ ذكرا من ذكر الآباء سأله سؤال العبيد عن الأرباب وذلك أجر الآخرة وهو كثير دائم ، وله من الدنيا نصيب ، ولذلك قرنه بقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً « 1 » الآية . وسرّ آخر : في الحسنة ، قال عليّ - رضي اللّه عنه - : « الحسنة كل الحسنة حبّنا والسيئة كل السيئة بغضنا » 101 . فقوله : آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أي حبّ الطاهرين من العترة الطاهرة ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً أي اللحوق بالصالحين من عباده . « والمرء مع من أحبّ ، ولو أحبّ أحدكم حجرا لحشر معه . » 102
--> ( 1 ) . في النسخة الآية كتبت خطأ : « ومن الناس من يقول آتنا في الدنيا حسنة » .